المشاركات المميزة

 


صورة سقراط في المصادر اليونانية

محمد جلال

تـقـديـم

  نقلت جل المصادر التاريخية، والدراسات المعاصرة، صورة مشرقة عن الفيلسوف اليوناني سقراطSocrate  (ولد نحو سنة 470 ق-م بأثينا). ورغم أن التقليد الدارج في تاريخ الفلسفة احتفظ بصورة مشرقة، عن هذا الفيلسوف الزاهد في الحياة الممجد للحقيقة والعقل؛ كما صورته المحاورات الأفلاطونية، إلا أن هناك مصادر أخرى رسمت صورة مغايرة تماما لما شاع عنه، ولما هو متداول بين الدارسين والمؤرخين لتاريخ الفلسفة. من المثير للنظر أن أقدم صورة، تناقض التصور المألوف عن هذا الفيلسوف، شكلت إبان حياة سقراط، من لدن الشاعر الكوميدي اليوناني أريستوفانيس، في أعماله المسرحية، وخاصة مسرحيته المسماة ب"السحب"[1]، لكن دون أن ينال ذلك الاهتمام الكافي من قبل الدارسين والمؤرخين.

إن النصوص المكتوبة حول سقراط، على اختلافها، تؤكد أن سقراط شخصية تاريخية حقيقية، عاشت ما عاشت من آلام وأمال في قلب أثينا، في زمن شهد جذبا شديدا بين الفلسفة وخصومها.

   ويمكن أن نظيف إلى هذه النصوص المحاورات التي ألفها اكسينوفون Xenophon[2]، مثل "المذاكرات" و"الدفاع"، والتي يمكن أيضا أن تفيد في سبيل البحث عن صورة سقراط التاريخي.

  إن الإشكالية التي يحاول هذا البحث الفصل فيها تكمن في التقابل الحاصل بين الخطابات التي تتناول الحضور السقراطي.

  لذلك ارتأينا أن نعتمد على قراءة أرستوفانيس والصورة التي رسمها حول سقراط، ثم رصد معالم صورة سقراط ضمن محاورات أفلاطون.

   وتكمن أهمية هذا البحث في أنه، ولأول مرة في لغتنا العربية، وفيما وقفنا عليه، يتم تسليط الضوء على صورة سقراط التاريخي في ضوء قراءتين متعارضتين إلى حد التناقض، كل منهما تنقل صورة خاصة حول سقراط.

    ليس من السهل تشكيل صورة دقيقة حول هذا الفيلسوف، ذلك أن صورته تتغير بحسب تغير طبيعة المواضيع المطروحة في الحوار ضمن المصادر السالفة الذكر، سواء منها الحوارية الفلسفية أو المسرحية. وتزداد صعوبة هذا الأمر مع الصورة "الشاذة" التي شكلها أريستوفانيس Aristophane عن سقراط، لكن يمكن، على العموم، اقتناص معالم الصورة السقراطية  من شهادات الشخصيات الحوارية والشخصيات المسرحية، بغض النظر عن المواقف الثاوية خلف أحاديث أصحابها.

    من الضروري أن نبتدئ بجرد معالم الصورة التي شكلها أريستوفانيس عن سقراط لسببين رئيسيين ومترابطين: السبب الأول هو أن أريستوفانيس سابق عن أفلاطون، وعرض أهم مسرحياته التي شخصت الفيلسوف سقراط قبل أن تظهر محاورات أفلاطون، والسبب الثاني هو أن الصورة التي شكلها أريستوفانيس عن سقراط في مسرحياته، وخاصة مسرحية السحب، امتد تأثيرها في بعض المحاورات التي كتبها أفلاطون، وبذلك نرى أنه من الواجب أن نرصد جوانب هذه الصورة من منظور أرستوفانيس، ثم الانتهاء بمحاورات أفلاطون.

أولا: صورة سقراط في مسرح أريستوفانيس

   لقد احتل الشعر المسرحي مكانة متقدمة داخل المجتمع الآثيني القديم، ولا نغال القول بأن هذه المكانة كانت أرفع درجة من المكانة التي احتلها الفلسفة داخل هذا المجتمع، إذ كانت المسرحيات الكوميدية تعرض في الساحات العامة بحضور آلاف المواطنين والسكان الآثينين، وهو أمر لم تكن تحفل به الفلسفة، وإن كانت هي أيضا قد اتخذت من الفضاء العمومي (الآغورا) مسرحا لها. لعل من العوامل التي تعزز هذه المكانة، التي تحفل بها الكوميديا اليونانية القديمة، هي أنها كانت تعرض في فترات الأعياد والمناسبات الدينية والسياسية[3]. وكان لهذه المسرحيات دور كبير في توجيه الرأي العام، وحتى في توجيه الرأي السياسي، إذ كان المسرح اليوناني (سواء التراجيدي أو الكوميدي) ينهل من القضايا الاجتماعية والتاريخية والسياسية والدينية، فيشيد الشاعر المسرحي أعماله ويعرضها أمام الجماهير الغفيرة في الكورس المسرحي أو المعابد الكبرى.

  لا يهمنا أن نخوض في هذه القضايا واتصالها بالمسرح اليوناني، فهذا أمر تلزمه أبحاث خاصة قد تشكل دراسات مستقلة بذاتها، لكن ما يهمنا في هذا المقام هو أن نبحث في الحضور السقراطي داخل مسرح أرستوفانيس، وبشكل خاص داخل مسرحية السحب.

   كما يهمنا أن نرصد الكيفية التي نقل بها أريستوفانيس صورة سقراط إلى المجتمع الأثيني واليوناني عامة، انطلاقا من  مسرحية السحب، وبالتالي كيف تصور وصور الفلسفة في أعماله المسرحية.

  الملاحظ أن  مسرحية السحب هي من أكثر الأعمال التي أفصح من خلالها أريستوفانيس عن مواقفه من الفلسفة عامة ومن سقراط بشك خاص، والذي هو من الشخصيات الرئيسية في هذه المسرحية. وهي مواقف نعثر على امتداداتها في مسرحيات أخرى لأريستوفانيس، مثل مسرحيته المسماة ب"الضفادع"[4].

   كان الشاعر الكوميدي أرستوفانيس معاصرا لسقراط، ولا نعرف على وجه التحديد تاريخ مولده، لكن الراجح بين الدارسين أن تاريخ مولده ينحصر ما بين سنة 454 ق-م وسنة 445 ق-م، وإن كانت السنة الأخيرة هي الأرجح عند بعضهم،[5] والأكثر من ذلك أن سقراط وأريستوفانيس عاشا تحت وقع علاقة متوترة، نرجح أن تكون سببا في الصورة التي رسمها هذا الشاعر الكوميدي عن سقراط، ولنا في ذلك شواهد عديدة سنعرضها في متن هذه الدراسة.

  لنقف قليلا عند مسرحية السحب. تبتدئ هذه المسرحية بمشهد عادي لشخص اسمه ستربسياديس، وهو مواطن أثيني يحمل هموم ديونه الكثيرة، وينطلق المشهد المسرحي من منزل هذا الشخص الذي قضى ليلته يترنح في فراشه مهموما من جراء تراكم ديونه، ويفكر في حيلة لتخلص من دائنيه، ثم ينتهي إلى حل ارتآه مناسبا، وهو أن يقنع ابنه بتعلم فن الخطابة والمنطقين، منطق الحق ومنطق الباطل، بغرض كسب الدعاوى القضائية. وبذلك يقترح عليه أن يتوجه إلى مدرسة سقراط بغرض التعلم، لكن الابن؛ المسمى فيديبيديس؛ يرفض طلب والده نظرا لتعلقه بفن الفروسية، ولرفضه أن يكون على شاكلة تلاميذ سقراط، فيعقد الأب عزمه على الذهاب بنفسه إلى مدرسة سقراط طلبا لتعلم فن الخطابة والتلاعب بالكلام للإيقاع بالدائنين والتخلص منهم.

  إن التصريح بكون سقراط يعلم المنطقين؛ المنطق القوي والمنطق الضعيف؛ هو إفصاح مباشر عن النظرة التي نظر بها أريستوفانيس إلى سقراط، باعتباره سفسطائيا، لكنه سفسطائي على نحو خاص. وتقدم لنا المسرحية وصفا أوليا لسقراط وصديقه خايريفون،[6] في تفردهما واختلافهما عن العامة من الناس.

سقراط السفسطائي المخبول

    تقدم مسرحية السحب سقراط في صورة معلم غريب الأطوار يعلم تلاميذه أمورا تافهة لا طائل من ورائها، من قبيل ما يرويه أحد تلامذة سقراط لستربسياديس؛ الوافد إلى مدرسة السقراطية؛ فبعد أن حضر ستربسياديس -الذي كان حضوره فجا- دار حديث أولي بينه وبين أحد تلامذة سقراط حول الإنجازات "المدهشة" التي قام بها المعلم، حيث يقول التلميذ: "...سأخبرك بأمر على أن تعتبر مثل هذه الأشياء أسرارا بيننا...منذ هنيهة سأل سقراط صديقه خايرفون عن النملة[7] وكم قدما من أقدامها قفزت بعد أن لدغت حاجب خايرفون، ومن هناك نطت على صلعة سقراط؟" ويضيف التلميذ محاورا ستربسياديس حول "الإشكالات" الدائرة بين سقراط وصديقيه خايرفون، عندما "سأله خايرفون السفيطي أي الرأيين يعتنق بالنسبة إلى طنين البعوض هل يأتي من الفم أم من المؤخرة؟" [8].

  إن المرام من هذا الأمر هو نقل صورة سقراط (العالم التجريبي) المهتم بالقضايا الهامشية، فأكيد أن مسألة قفز البرغوث أو مسألة مصدر طنين البعوض ليست من المسائل الشاغلة لأذهان المجتمع اليوناني، إذ هناك؛ بالتأكيد؛ قضايا أخرى أعوص وأهم بكثير من هذه المسائل، وهي القضايا المتصلة بشؤون الاجتماع والسياسة والحرب والاقتصاد...الخ، وبذلك يظهر سقراط في مظهر غريب، متجاهلا شؤون مجتمعه ومنكبا على البحث في جزئيات تافهة لا تقدم أية فائدة ترجى.

  يظهر سقراط هنا في صورة باحث مناهض للفهم السائد، لذلك فهو لا يقبل التسليم بالقضايا التي يصادفها دون تمحيص، لكن تمحيصه؛ كما تقدم؛ لا ينصب على إشكالات وثيقة الاتصال بمجتمعه بل  ينصب على الجزئيات العارضة والهامشية. وتزداد صورة سقراط غرابة عندما يعلن؛ داخل مسرحية السحب؛ عن تعاليه حتى عن الأرض التي يطأها الجمهور، عندما يظهر في سلة معلقة في الهواء، قائلا لستربسياديس: "أمشي في الهواء، ومن عليائي ألقي نظرة تأمل على الشمس"[9]، ومدعيا  أن ذهنه يعمل بشكل أفضل هو في ذاك الوضع.

موقف سقراط من المسائل الإلهية

  من القضايا الرئيسية، التي ضمنها أرستوفانيس في مسرحيته، نجد قضية إفساد المعتقدات التي يعتقدها الجمهور، والنموذج الذي قدمه أريستوفانيس ممثل بشخصية ستربسياديس، الذي جادله سقراط حول الآلهة القديمة، داعيا إياه إلى الإيمان بآلهة جديدة.

     لقد جعل أريستوفانيس فئة الشيوخ (ممثلة في ستربسياديس) ضحية الإفساد العقدي، وقد حلت "السحب" بوصفها الإلهات الحقيقية بدل الآلهة التي يعتنقها الجمهور الآثيني، ويبرهن سقراط، في مسرحية السحب، على دعواه بإيراد جملة من الحجج الطبيعية لإقناع ستربسياديس بحقيقة أقواله، وهذا ما نتبينه من الحوار التالي:

  بعد انتهاء الإنشاد الذي قدمته الجوقة (الإلهات السحب) يقول ستربسياديس: أيا ربة الأرض، أي صوت هذا...عجيب ساحر...ومقدس!

سقراط: أرأيت؟ لهذا قلت لك إنهن وحدهن الإلهات، وما سواهن باطل...هراء.

ستربسياديس: أستحلفك بربة الأرض أن تجيبني عن هذا السؤال...أليس زيوس الألمبي إلها؟

سقراط: ومن يكون زيوس هذا! لا تهذِ...فلا وجود لما تسميه زيوس.

ستربسياديس: ماذا تقول؟ فمن ينزل الغيث إذن؟ أجبني عن هذا السؤال بالتحديد، وقبل أي شيء آخر.

سقراط: هذه السحب بلا ريب، وسوف أبرهن لك على ذلك بالدليل القاطع. هل رأيت ولو مرة واحدة مطرا ينزل بغير السحب، وإذا كان زيوس هو رب الغيث فدعه يمطر من السماء وهي صافية خالية من هذه السحب."[10]

  نلاحظ في المسرحية أن الآلهة المبتكرة لها اتصال مباشر بعالم الحس، فالسحب هي أولا مصدر الخير المباشر للإنسان، من جهة كونها مصدر المطر، كما أن حضورها يمثل تبشيرا للإنسان وتجددا للحياة، لذلك فإن هذا الادعاء يروم  التشكيك في الإله المتعالي وتأليه الطبيعة بدلا عن ذلك، وذلك عن طريق إضفاء طابع التقديس والقوة عليها. وهذا مؤشر قوي يدل على فطنة أريستوفانيس، الذي أدخل، في مسرحيته، حججا قوية ليؤكد الصورة التي أراد بها تصوير سقراط.

  إن إحلال آلهة جديدة (السحب) محل الآلهة القديمة، التي يعتنقها الشعب اليوناني، هو، بالتأكيد، جوهر النقد الأريسوتفاني اتجاه سقراط، وهو أمر ستكون له امتدادات كبرى على حياة سقراط، كما سنعرض بعد حين. أما حضور آلهة جديدة، من صميم الطبيعة، وجعل سقراط "عراف" هذه الآلهة، بدل الآلهة القديمة التي يؤمن بها الشعب اليوناني، فيجد تبريره في النظرة العامة التي كان أريستوفانيس (وهو يجسد موقفا معينا) إلى سقراط، ذاك الرجل الغريب الذي ينقب في الأشياء بحثا عن حقائقها الخفية، ويؤمن بالمحسوس أكثر من أي شيء آخر.

  كما نلاحظ أن أريستوفانيس ربط بين التعليم، الذي يقدمه سقراط، وبين إنكار الآلهة القديمة، وهذا ما نلاحظه في الحديث الذي دار بين ستربسياديس وابنه فيديبيديس الذي أقسم بزيوس ألا يلج مدرسة سقراط، بعد قدوم ستربسياديس من مدرسة سقراط، إذ يقول: "ألا ترى معي أن التعليم شيء مفيد؟ ولدي فيديبيديس. إن زيوس الذي أقسمت به لا وجود له!"[11].

  لقد نجح أريستوفانيس في نقل تلك النظرة إلى عامة الشعب اليوناني؛ من خلال مسرحياته الكوميدية؛ التي كانت تجد إقبالا كبيرا من قبل أفراد الشعب، ونرجح أن يكون سقراط؛ بحكم معاصرته لأريستوفانيس؛ قد شاهد تلك المسرحيات، وعاصر تفاصيل الفرية التي تزعهما هذا الشاعر الكوميدي.

  كان أريستوفانيس يبني نقدا جذريا اتجاه المثقفين في زمانه، ذلك أنهم، بفعل أسئلتهم، التي تخترق أسس الاعتقاد والسياسة والاجتماع...الخ، شكلوا مشكلة في وجه نظام الحياة السائدة، وبما أن سقراط، الذي عالج أعمق الإشكالات بطرق منهجية، كان يشكل معضلة حقيقية في وجه الساسة والتجار والشعراء، فقد عمد أريستوفانيس إلى نقل صورة كاريكاتورية، ظهر سقراط من خلالها في موقع المتشكك في الفهم السائد.

     نلاحظ إذن أن أريستوفانيس كان واعيا بالمنافذ التي يمكن من خلالها نسف التأثير السقراطي على أفكار الناس، كما كان عارفا بالأمور التي يمكنها تأجيج مشاعر العامة، لحملهم على مناهضة الفكر الفلسفي السقراطي، وجعله عديم القيمة في نظرهم.

 

  إذا كان أرستوفانيس قد سعى إلى تشكيل صورة كاريكاتورية حول شخصية سقراط فإن معالم هذه الصورة ستتغير كثيرا مع أفلاطون، الذي نقل إلينا صورة مشرقة عن شخصية سقراط التاريخي، ودمج معالم هذه الصورة في نسق تفكيره الفلسفي، الذي تشعبت خيوطه بين قضايا كثيرة، ميتافيزيقية وأخلاقية وسياسية ومعرفية...الخ، وانفتحت على آفاق رحبة، ظهر فيها سقراط بمظهر جديد تماما.

 

  ثانيا: صورة سقراط في محاورات أفلاطون

    لقد كان أفلاطون تلميذا مباشرا لسقراط[12]، ونرجح أن يكون السبب الذي جعله يميل إلى الكتابة الفلسفية الحوارية، بدل الكتابة المسترسلة، هو الجو العام الذي عاش في خضمه، ذلك أن الطغيان كان يكبل العقل المتنور[13]، ولم تكن الفلسفة تتمتع بذاك الترحيب والقبول الذي كان يتمتع به الفن المسرحي، إذ كان المسرح منفلتا، إلى حد ما، من بطش الطغيان السياسي، لذلك مال أفلاطون إلى الكاتبة الحوارية -وهي في شكلها أقرب إلى المسرح أكثر من قربها إلى النص المسترسل- التي تواري الأفكار الفلسفية خلف ستار الحوار، وعبره نقل أفلاطون جميع أفكاره الفلسفية. كما نقل صورة أصيلة عن معلمه سقراط، ولم يتردد في استحضار التفاصيل الدقيقة التي وسمت الشخصية سقراط.

  يهمنا كثيرا عرض معالم الصورة السقراطية التي شكلها أفلاطون، ذلك أن حضوره القوي في محاورات أفلاطون يساعد على إدراك حقيقة هذه الصورة بجلاء، كما أن الشهادات التي يوردها أفلاطون حول سقراط التاريخي تكاد تتطابق في سائر المحاورات الأفلاطونية، التي حضر فيها سقراط. وسنركز هنا بشكل خاص على المحاورات التي تسمى عند الدارسين بالمحاورات السقراطية، على اعتبار أن سقراط هو الشخصية الرئيسية ضمنها، محاورات الدفاع وأقريطون وأطفرون وثياتيتوس والمأدبة وفيدون.

لا يهمنا الجانب التعاقبي لهذه المحاورات، من حيث الأسبقية الزمانية لكل واحدة على الأخرى، ولا نتبنى أي قراءة مذهبية حول هذه المحاورات، بل ما يهمنا أساسا هو النظر في صورة سقراط التاريخي، داخل محاورات أفلاطون، وهي الصورة التي سنتابع فيها الحوار السقراطي لاقتناص بعض الشهادات حول هذا الفيلسوف.

  نجد الكثير من الشهادات، داخل محاورات أفلاطون، التي تعبر عن صورة سقراط "التاريخي". والملاحظة التي سجلناها من هذه الشهادات هي أنها منسجمة تماما وقلما نجد فيها تناقضا أو اختلافا، سواء الشهادات التي يوردها المتحاورون، داخل هذه المحاورات عن سقراط، أو الشهادات التي يوردها سقراط عن نفسه، وبذلك نجد أن فكر وحياة هذا الفيلسوف تسير في اتجاه إرساء مجموعة من المبادئ والقيم، الأخلاقية والوجدانية والمعرفية...الخ.

  الفضيلة العقلية عند سقراط

    لقد كانت المسائل الأخلاقية من أكثر المسائل إثارة للجدل في المجتمع اليوناني، ما يؤكد ذلك هو الحضور القوي والمتميز للأخلاق في مجال التفكير الفلسفي داخل هذا المجتمع، وقد أثيرت المسائل الأخلاقية بشكل كبير، ولأول مرة، مع رواد المدرسة السفسطائية، لكن بقيت الأخلاق عندهم خاضعة للنسبية وارتبطت بما هو خاص، إلى أن أتى سقراط الذي ارتقى بالأخلاق إلى مستوى أعلى، إذ جعلها مرتبطة بالعقل، باعتباره ملكة مشتركة بين الناس، وحاول نشر تصوره الأخلاقي، منتقدا الأخلاق العامة، باحثا عن الفضيلة الحقة.

   ما يهمنا هنا هو إبراز الجانب المتعلق بالفضيلة، كما تصورها سقراط وكما عاشها ودافع عنها، وذلك بالاستناد إلى القضايا المتصلة بها داخل المحاورات الفلسفية الأفلاطونية.  ولعل أهم ما بين أيدينا من الوثائق الفكرية-التاريخية التي توثق حياة سقراط الأخلاقية هي محاورة أوطيفرون، التي يدور موضوعها حول مسألة الفضيلة. وفيها يتبين موقف سقراط الأخلاقي، ورأيه في الأخلاق السائدة في عصره.

     الإشكالية المطروحة في محاورة أوطيفرون مرتبطة "بالتقوى"، وقد قام الحوار، حول هذا المفهوم ، بين سقراط وأوطيفرون على خلفية الإدعاء الذي رفعه هذا الأخير ضد أبيه بسبب مقتل أحد العمال، الذي تورط في مقتل عامل آخر، مما دفع والد أوطيفرون إلى سجن العامل القاتل في حفرة ريثما يستفسر من رجال الدين حول النازلة، ليقرر في الأخير حكمه بشأن العامل المذنب، لكن هذا العامل مات قبل أن يعود رسول الأب بالتفسير المطلوب، مما جعل أوطيفرون يتهم أباه بالقتل ويرفع دعوى قضائية ضده. لذلك يحضر أوطيفرون باعتباره مدعيا. أما سقراط فيحضر باعتباره مدعى عليه.

  أما المعضلة التي يواجهها سقراط فإنها ليست بالهينة، كما هو واضح في هذه المحاورة، ذلك أن حضوره إلى رواق الملك (الحاكم) لم يكن بدافع متابعة تهمة عادية بل كان يواجه ما يسمى "بالادعاء العام"[14]، والدعاء العام أخطر وأكبر من الاتهام، ذلك أنه يصدر عن مجموعة أشخاص وليس عن شخص واحد (كما سنرى في محاورة الدفاع)، وبذلك فوقع هذا الأمر أكبر وأشد.

   تبتدئ محاورة أوطيفرون من اللقاء الذي تم بين هذا الأخير وبين سقراط، وسقراط، كما هو بين من هذه المحاورة، يواجه دعوى بعض الخصوم، وبالتحديد دعوى السياسي الشاب مليتوس الذي حمل ادعاءً ينص على أن سقراط يفسد شباب أثينا.

   لا يتقبل أوطيفرون الادعاء الموجه ضد سقراط معتبرا إياه ضربا لقلب المدينة[15]، وهذه إشارة مهمة تؤكد كبر مكانة سقراط داخل مدينة أثينا، وخاصة عند تلاميذه ومعارفه. كما تؤكد رفضا مستبطنا اتجاه الادعاء الموجه ضد سقراط.

  لكن، إلى جانب الموقف الإيجابي الذي يحمله أوطيفرون اتجاه سقراط، نلاحظ أن هناك مجموعة من الإشارات التي توضح جانبا مهما من شخصية سقراط، موقفه من قضايا الرأي العام، ونقده لمفهوم الدين "التقليدي"، نقده للأخلاق القائمة على مبدأ التوارث. وهي الأمور التي يتضح معها الجانب الأكثر إشراقا في فكر وشخصية سقراط.

  في تتبعنا لأطوار المحاورة نستخلص نتيجة أساسية، مفادها أن سقراط يرفض التسليم الأعمى بالأمور التي تقع في بادئ الرأي عند الناس، ومن ذلك رفضه للدعوى التي أقامها أوطيفرون ضد أبيه، لاعتقاد هذا الأخير أن الفضيلة تكمن في أن ينال كل إنسان الجزاء الذي يستحقه، بغض النظر عن الصلات القائمة بين الناس، لذلك لم يتردد في رفع دعوى ضد أبيه متهما إياه القتل. وهو ما رفضه سقراط، واتجه نحو فحص مفهوم التقوى، عبر مساءلة محاوره أوطيفرون حول فهمه للتقوى.

    يتضح من محاورة أوطيفرون أن سقراط ينتقد الفهم السائد حول التقوى، سواء فهم العامة أو فهم رجال الدين، ذلك أنهم جميعا يسلمون بأشياء يعتقدون أنها هي عينها التقوى، في حين أن تسليمهم لا يعدو عن كونه نقلا لأحكام وتقديرات متوارثة، ويتجلى ذلك في سلوك أوطيفرون ورفعه دعوى ضد أبيه بسبب تورطه في قتل العامل الأجير، إذ يعتقد أوطيفرون أن الفضيلة الدينية تقتضي الانصياع التام لما هو متواتر عن سير الآلهة، حتى وإن كانت، هي ذاتها، بينها خصومات ونزاعات، وحتى وإن كان الأمر يطرح مفارقات لا يستسيغها العقل. لذلك فالنقد موجه نحو الأسس التي ينبني عليها تصور التقوى.

  الأخلاق الحميدة لا تكون كذلك إلا إذا اتصلت بالحكمة والعقل، لذلك يقول سقراط: "أن الجمهور جاهل بموضوع السلوك الصائب وما يجب أن يكون عليه، فلا أعتقد أنه بمستطاع أي شخص أن يسلك سلوكا صائبا اللهم إلا إذا كان متقدما على طريق الحكمة تقدما كبيرا"[16]. والإنسان لا يكون حكيما إلا عند معرفة الفضيلة، فيتبعها، ومعرفة الرذيلة، فيجتنبها، وحث الآخر على اجتنابها.

  لا يقبل سقراط أخذ الأشياء التي استقر عليها رأي الجمهور دون فحص وتمحيص، لذلك نجده يقول في حاوره مع اقريطون، في سياق حديثهما عن مأساة سقراط (الحكم بالإعدام)، "لا يجب علينا أن نشغل بالنا بما سيقوله الجمهور عنا، بل بما سيقوله ذلك الخبير بأمور العدل والظلم، ذلك الرجل الوحيد وكذلك بما ستقوله الحقيقة نفسها"[17]. فالحكمة تقتضي عدم التسليم برأي الجمهور على عالته، بل تتطلب الفحص والتمحيص لتبيُّن صواب الأمور.

    إذا كانت الحكمة وثيقة الاتصال بالسلوك الحميد فإنها لا تنفك كذلك عن العدل والحق والعلم والحقيقة، وهي مفاهيم خاض فيها سقراط في محاورته مع محاوريه كما جسدها في سلوكه وفكره وحياته.

  سقراط مدافعا عن العلم والحقيقة

    رغم أن سقراط لم يكن يدعي لنفسه الحكمة، معتبرا أن كل ما يقوم به لا يتجاوز حدود تقصي حقيقة الادعاء الذي ادعته كاهنة معبد دلفي، عندما زعمت أنه لا وجود لشخص أحكم من سقراط، إلا أنه جسد سلوك الإنسان العالم، سواء في حديثه عن الموضوعات التي يتصل بها العلم، أو في نقده للتصورات المناوئة للعلم. كما نلمس لديه حسا نقديا في تصوره لأضرب العلوم، وفصله للعلم، بما هو كذلك، عن الأشياء والفنون المتصلة به، إذ يقول، في سياق حاوره مع ثياتيتوس حول معنى العلم: "من العبث أن نجيب على من يسأل عن ما هو العلم بذكر أي فن كان. إن الإجابة سوف تقتصر على ذكر علم معين بشيء معين"[18]. فلا معنى للحديث عن علم الهندسة، مثلا، بجرد مميزات فن العمارة، بل الواجب هو العلم بالأسس التي يقوم عليها علم الهندسة عامة، وليس الذهاب مباشرة إلى ذكر الفن المترتب عن هذا العلم.

  وكما هو معلوم، فإن العلم في زمن سقراط كان متصلا ومتجاورا مع معارف وفنون كثيرة، يدخل معها العلم في علاقة تأثير وتأثر متبادل. بحيث أن لا مجال للحديث عن أي فن دون الحديث عن الفنون الأخرى، وهذا أمر لم يكن ينتبه إليه إلا أهل الحكمة، لذلك كان سقراط يلوم أهل الفنون المختلفة (من صناع وتجار وحرفيين...الخ) على اكتفائهم بالعلم الذي يهم مجالهم وادعاءهم الحكمة المطلقة في سائر الأمور.

  كما انتبه سقراط إلى قصور رجال الدين عن فهمهم لما يعتبرونه فضيلة على الحقيقة، لذلك يقيم حدا فاصلا بين التصور العام لمفهوم التقوى، كما يفهما الجمهور، ومفهوم التقوى في تصور العارفين. ونجد ذلك في مساجلته مع أوطيفرون حول هذا المفهوم، ويقول في ذلك: أما إن كنت أنت نفسك (أوطيفرون)، وأنت العالم بهذه المسائل [الإلهية] تتفق معهم [العامة] على هذا، فلن يكون لنا، فيما يبدون إلا أن نحني رؤوسنا نحن أيضا"[19]. ومعنى ذلك أن سقراط يعي تماما أن من واجب العالم (الفيلسوف) أن لا يقبل بما هو شائع بين الناس، بل واجبه هو أن يبحث عن الأساس العقلي الذي يمكنه من بناء تصور متين لا يميل فيه إلى الفهم السائد ولا يستكين إلى ما هو مقرر في فهم العامة.

  لقد دافع سقراط بشدة عن الحقيقة، التي قوامها الفحص والتمحيص، لذلك اعتبر أن "حياة بلا فحص ليست حياة جديرة بالإنسان"[20]. كما اعتبر أنه ما من شيء أشرف وأرفع من طلب الحقيقة، التي يتوجب على الإنسان الاهتمام بها أكثر من أي شيء آخر. وهذا ما دفعه إلى التشبث بمنهجه، في الفحص والتمحيص، حتى آخرة لحظات حياته.

  رغم إعلان محاكمة سقراط إلا أنه ظل متشبثا بقناعاته، التي فرضت عليه ضرورة الفحص والتمحيص بحثا عن الحقيقة، لذلك صرح، وهو أمام القضاة، بأنه حتى وإن تم العفو عنه فإنه لن يكف عن التفلسف، إذ يقول:"لن أتوقف عن التفلسف وعن حثكم، موضحا في كل مناسبة لمن ألقاه في طريقي منكم، ومتكلما على الطريقة التي اعتدت عليها: أيا أفضل الناس، وأنت الأثيني، والذي ينتمي إلى أعظم المدن وأشهرها حكمة وقدوة، ألا تخجل من أنك تعتني بكيف تحوز أكبر ثروة ممكنة، وبالشهرة وبألوان التكريم، بينما لا تعنى بالفكر ولا بالحقيقة ولا بالنفس وكيف تصير أفضل."[21]

 سقراط العادل

    من خلال تتبع سيرة سقراط، داخل محاورات أفلاطون، نجده يجسد قيمة أساسية، وهي قيمة العدل، نجد ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، في محاورة أوطيفرون، الذي نجده، في مطلع المحاورة، يصرح بشهادة على جانب عظيم من الأهمية في حق سقراط، إذ يندهش من رؤية سقراط أمام رواق الملك، ولا يتخيل شخصا يمكن أن يتجرأ على اتهام سقراط، كما يقر بسماحة سقراط قائلا: "لا يمكن أن أتصور أن تكون أنت الذي يرفع إدعاء على آخر"[22]

  إضافة إلى هذه الشهادة، التي قدمها أوطيفرون في حق سقراط، نجد عديدا من الشهادات التي تبرز عدالة سقراط، سواء في حياته الخاصة أو في علاقته مع باقي الناس.

  يقدم سقراط شهادة على جانب عظيم من الأهمية، بالنسبة إلى موضوعنا، وهي شهادة تلخص حياة سقراط "العادلة" بشكل عام، إذ يقول: "لم يحدث قط أن شغلت وظيفة في إدارة المدينة غير أن كنت عضوا في المجلس التنفيذي. فقد  حدث أن كانت قبيلتا أنتيوخيس تملك زمام البروتانيا حينما كنتم تريدون محاكمة القواد العشرة الذين لم يجمعوا جثث الموتى معا بعد المعركة الحربية، مخالفين في هذا، كما عرفتم جميعا من بعد، للقوانين. وقد كنت الوحيد بين أعضاء البروتانيا الذي عارضكم في عمل شيء مخالف للقوانين وصوت ضدكم. وقد كان الخطباء على وشك الإشهار بي وتقديمي إلى المحاكمة، وكنتم تدفعونهم إلى ذلك صارخين، ولكني رأيت أنه يجب علي أن أخاطر، واقفا في صف القانون والعدل، على أن أتخذ، واقفا معكم وخشية السجن أو الموت، قرارات غير عادلة. وقد حدث هذا بينما كان النظام الديمقراطي هو نظام الدولة المدينة. وقد أتى بعد ذلك النظام الأوليجاركي، وأصدر الطغاة الثلاثون، بدورهم، أمرهم إلي، بعد أن أحضروني خامس خمسة، إلى مبنى الثولوس، بأن أتى بليون السلاميني بغرض تنفيذ حكم الإعدام فيه...هذه المرة أيضا برهنت من جديد، ليس بالكلام بل بالأفعال، أني بالموت لا أبالي، وكأنه لا شيء، ذلك أن كل ما يهمني هو عدم القيام بأي فعل كان ظلما أو بعيدا عن التقوى"[23].

  سقراط منكرا للذات

    معروف أن سقراط لم يكن يولي حياته الخاصة كبير اهتمام، بل كان يصل به الحال إلى إهمال ذاته في سبيل خدمة الفضيلة والحقيقة، التي كانت، بالنسبة إليه، المطلب الأسمى والغاية الأجل، التي وجب على كل إنسان أن يطلبها في حياته وأن يستقصي السبل الموصلة إليها.

    لقد كان ورع وزهد سقراط ينعكس في سلوكه اتجاه المواطنين، فرغم أنه قوبل باتهامات وأباطيل من قبل بعض أنيتوس وميليتوس ولوكون إلا أنه جسد موقفا رفيعا في التعامل مع الآخرين، إذ كان يعتبر نفسه هبة إلهية للشعب، وأن واجبه يحتم عليه خدمة الفضيلة والحقيقة، بصرف النظر عن كل العوارض الدنيوية، ويقول في ذلك:"أما أنني الرجل الذي وهبه الإله للمدينة فإنكم ستدركون هذا على ضوء ما يلي: ذلك أنه يبدو أن هناك شيئا غير إنساني في عدم اهتمامي بسائر شؤوني في تحملي بشجاعة لما نتج عن إهمالي لشؤوني الخاصة، وذلك منذ سنين عديدة، بينما شغلت نفسي على الدوام بشؤونكم، معاملا لكل منكم بشخصه كأب أو أخ، مقنعا له أنه الأفضل الاهتمام بالفضيلة. ولو كان قد حدث وكنت استفدت من هذا شيئا، أو كنت أخذت أجرا لقاء نصحي، إذن لكان للأمر تفسير"[24].

   لم يكن سقراط منحازا إلى فئة معينة من الناس دون غيرها، بل كان يعتبر نفسه صديقا للكل، وأن الواجب يحتم عليه معاملة الناس نفس المعاملة، دون تمييز أو تفريق بينهم. فيمازحهم لحظة المزاح، ويحاورهم لحظة الجد في سائر القضايا المتصلة بحياتهم، دون ترفع ودون استهتار بمشاكل الناس والمجتمع.[25]

   لقد خاض سقراط في المسائل العقدية وأوضح فسادها، وكانت نتيجة تقويضه لهذه المعتقدات هي اتساع دائرة الكراهية، وانعكست في السياسة. ذلك أن الاصطدام مع السلطة الدينية كان لا بد أن يمتد إلى الاصطدام مع السلطة السياسية، بحيث كان الدين من شأن الدولة نفسها التي نصبت نفسها حامية للمعتقدات.

  والنتيجة النهائية لهذا الاصطدام كانت هي إعدام سقراط، الذي راح ضحية جريمة هو أبعد ما يكون عنها، جريمة "الإفساد"، وأي إفساد هو؟ إفساد الشباب! الذي كان بالنسبة له الفئة الأحق بالرعاية والعناية، لبناء المجتمع المنشود، مجتمع الفضيلة والحكمة والعلم.

   لم يواجه سقراط الإدانة من شخص واحد أو جهة واحدة، بل كان يواجه إدانة عامة، أو ما أسماه هو ذاته ب"الادعاء العام"، إدعاء مثله ميليتوس وأنيتوس ولوكون "مليتوس مملوءا ضغينة باسم الشعراء، وأنيتوس ممثلا للصناع والسياسيين، ولوكون ممثلا للخطباء"[26]، وهذه الإدانة العامة كان لها بلا شك آثار كبرى على أفكار ونصوص تلاميذه، وساهمت في إحداث نقد فلسفي رصين، كالذي تركه أفلاطون في جملة من محاوراته.

   الظاهر أن صورة سقراط، في المصادر اليونانية، تترواح بين منزلتين: منزلة التحقير والتصغير، وهي المنزلة التي نقلها أرستوفانيس في الصورة التي شكلها عن سقراط، باعتباره سفسطائيا وضيعا، يعلم الناس الوضاعة ويبعدهم عن الطريق القويم، ويطلب مقابل ذلك ثمنا لتعليمه. ومنزلة الفيلسوف المتزن العادل الساعي وراء الفضيلة والخير والمحب للبشر أجمعين، وهي المنزلة التي نقلها أفلاطون عن في مجموعة من محاوراته.

   لقد كان أرستوفانيس منحازا إلى صف الفئة المعادية لسقراط، أو لنقل الفئة المناهضة للفلسفة عامة. وكان الخطاب الكوميدي، بالنسبة لزمرة أريستوفانيس، وسيلة للتعبير عن الحياة الاجتماعية الراقية المترفعة عن الهموم المعيشية. بينما اهتم الخطاب الفلسفي بالمشاكل الاجتماعية والأخلاقية في جانبها الواقعي. وهو خطاب تأسس على الشك والفحص والمساءلة، خلاف الخطاب المسرحي الذي قام على أنقاض الأسطورة، بحيث عمل على بعثها وتطويرها لتتماشى مع الرأي العام.

  إن موقف الخصومة المعلنة من قبل أرستوفانيس ضد الفلسفة تجد امتداداتها في مجموعة من نصوصه المسرحية، وقد وصل هجومه إلى حد تقويض الإبداع المسرحي القائم على العقل والمنطق.

     في مسرحية الضفادع نجد أرستوفانيس يشن هجوما واضحا على الإبداع المتصل بالعقل والمنطق، نتبين ذلك من خلال الحوار الذي دار بين الشاعرين التراجيديين أيسخيلوس ويوربيديس. بعد الرحلة التي قام بها ديونيسوس نحو هاديس، من أجل سبر أغوار هذا العالم، وعندما يقرر الفصل بين منزلة كل من يوربيديس وأيسخيلوس عند سكان العالم السفلي، حيث انتهى أرستوفانيس نحو نتيجة حاسمة، عندما أعلن، في مسرحيته، دعوة ديونيسوس الشاعر التراجيدي أيسخيلوس إلى العودة نحو عالم الحياة، من أجل إصلاح شؤون المدينة.

  إن دعوة أسخيلوس ليقوم بدور المصلح تكشف عمق المناهضة التي ناهض بها أرستوفانيس العقل والمنطق، ومن ثمة الفلسفة. فهو أراد من هذا المسألة أن يقول: تنحوا جانبا أيها الفلاسفة المتبجحون بالعقل والمنطق، اتركوا المجال للمصلحين الحقيقيين، الشعراء الذين ملئت أعمالهم بالاستعارات الحالمة والتشبيهات الغناء، فهؤلاء وحدهم من يستطيعون إصلاح المدينة.

  من خلال المقاطع التي يحضر فيها يوربيديس وأيسخيلوس، داخل مسرحية الضفادع، يتضح أن كل منهما يتبنى تصورا معينا في بنائه لمسرحياته التراجيدية، فأيسخيلوس اعتمدا بناءا استعاريا مليئا بالإيحاءات المتصلة بالطبيعة، في حين يتبنى يوربيديس توجها منطقيا صارما في بنائه لمقطوعاته المسرحية[27]، ولا يقبل بأي قول ما لم يخضع للفحص والتدقيق على ضوء العقل والمنطق.

   إن هذا الوقف مجملا يعكس تصور أرستوفانيس المناهض للفلسفة، باعتبارها مغامرة عقلية قوامها المساءلة والتشكيك في بادئ الرأي، وفحصا للمنطلقات والبداهات التي يعتبرها الجمهور حقائق لا تقبل الفحص والتمحيص. وهذا الموقف وجد قوته من توافقه مع الآراء السائدة في الأوساط اليونانية، التي كانت ترى في الفكر الفلسفي تهديدا للآراء التقليدية التي يحملها الغالب من الناس. وقوة المسرح الكوميدي الإغريقي تكمن في كونه احتفظ بجوهر تلك الآراء والمواقف وارتقى بها في إطار عمل مسرحي يستلهم من الأسطورة ومن المعتقدات القديمة ويحرجها للناس في فترات الأعياد والمناسبات الدينية والاحتفالات الرسمية.

   لم تواجه الفلسفة في بلاد اليونان خصومة المسرح الكوميدي فقط بل امتدت الخصومة إلى الشعر الغنائي كذلك، وقد انتبه أفلاطون إلى العداء القديم القائم بين الشعر (الغنائي) والفلسفة، وهذا الأمر يتبين في الكتاب العاشر من محاورة الجمهورية. إذ يعلن سقراط أنه ينبغي طرد الشعر المسرحي القائم على تصوير الانفعالات، ويقول "أننا لا نستطيع أن نقبل في دولتنا من الشعر إلا ذلك الذي يشيد بفضائل الآلهة والأخيار من الناس . أما إذا لم تكتف بذلك وسمحت للربة المعسولة بالدخول، إما في الشعر الغنائي، و إما في شعر الملاحم، فسوف تغتصب اللذة والآلام والسيادة من القانون، ومن المبادئ التي وقع إجماع الناس على أنها الأفضل"[28].

  إن غاية الفلسفة هي بناء مجتمع يسوده القانون والانسجام، لكي لا يقع الزيغ أو التبدع من قبل أي شخص أو أي جهة كانت، لذلك كان هدف سقراط أن يرسم معالم هذا الطريق القويم الذي بموجبه يتحقق الخير والعدالة والحق بين سائر الناس. إلا أن المشروع السقراطي لم يجد أرضا رحبة تحتضنه، بفعل تمركز المسرح وسيطرته على الفضاء العام. 

    لقد استطاع أرستوفانيس أن يحفر عميقا في مشاعر الناس الكراهية والغبن اتجاه سقراط واتجاه الفكر الفلسفي، وحتى وإن لم يكن قد نجح في انتزاع الحضور الفلسفي من الساحة الأثينية، إلا أنه اسمتال آراء الكثيرين، وشكل بذلك موقفا عاما (سيتوج كما رأينا في الادعاء العام المرفوع ضد سقراط) كانت نتيجته هي انتصار أرستوفانيس، ومعه المسرح الكوميدي، ضد سقراط وضد الفلسفة.

    لقد كان سقراط واعيا بالفرية التي لحقت به، وواعيا بأصولها ومذاهب أصحابها، وهو في ذلك يقول: "فلنرجع إذن إلى الأصل لنرى ما هي التهمة التي بنيت عليها الفرية التي التصقت باسمي، والتي أغرت مليتوس بان يرفع ضدي الإدعاء الحالي. فلنر ماذا تقول على الدقة فرية المفترين. ولنفرض كما لو أن هؤلاء المتهمين كانوا قد حلفوا اليمين، فيجب أن نعلن اتهامهم <سقراط مذنب، فهو يعنى عناية كبرى بالبحث فيما تحت الأرض وفي السماء، وبقلب القضية الضعيفة قضية قوية، وتعليم هذا كله للغير>. هذا هو الاتهام، وهو ما رأيتموه بأنفسكم قي كوميديا أرستوفانيز، أي سقراط معينا"[29].

    إن هذا القول يؤكد فرضيتنا، التي قلنا فيها بأن سقراط كان متابعا عن كثب أعمال أرستوفانيس المسرحية، بل وشاهد مسرحية السحب التي ظهر فيها سقراط في مظهر مناقض لجوهر الفكر الفلسفي الأصيل، ومع أنه حاول رفع الشبهة التي لحقته إلا أنه لم ينجح تماما في انتزاع بقايا تلك الصورة التي رسمها أرستوفانيس عنه. فكانت النتيجة هي إعدام سقراط.

فهل انتصر المسرح على الفلسفة بعد إعدام سقراط؟

  الأكيد أن المسرح لم ينتصر على الفلسفة بعد هذا الحدث الرهيب. وسقراط، الذي رحب بالموت نصرة لمبادئه، أكد أن الفلسفة والفحص الفلسفي لن يتوقف، بل توعد بأن عدد الفاحصين سيزداد، وأن عرش الفلسفة سيرتفع عاليا رغم كل الانكسارات التي تلحق الفلسفة وأهلها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المصادر المعتمدة في الدراسة:

المصادر بالعربية

- أريستوفانيس، مسرحية السحب، ترجمة أحمد عثمان، سلسلة من المسرح العالمي، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العددان الثامن عشر والتاسع عشر، سنة 2011

..............مسرحية الضفادع، ترجمة وتقديم عبد المعطي شعراوي، سلسلة من المسرح العالمي، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 358، مارس 2012

- أفلاطون، محاورة اقريطون، ترجمة عزت قرني، منشورة ضمن محاكمة سقراط، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر-القاهرة، ط 2، سنة 2001

....... محاورة الدفاع، ترجمة عزت قرني، ضمن محاكمة سقراط، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر-القاهرة، ط 2، سنة 2001

....... محاورة أوطيفرون، ضمن محاكمة سقراط، ترجمة عزت قرني، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر-القاهرة، ط 2، سنة 2001، ص 35.

....... محاورة ثياتيتوس، ترجمة وتقديم أميرة حلمي مطر، دار غريب، مصر القاهرة، سنة 2000.

........ محاورة الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، سنة 2003

المصادر الأجنبية:

 

-Aristophanes, The Clouds, Translated by William Arrowsmith, New American Library, New York, 1962

-Platon, Le Banquet, Traduit du grec par Léon Robin et M.J. Moreau, Édit Gallimard, paris, 1950.

-Xenophon, Memorabilia and Apology, (Socratic Discourses), Everymans Library. London, 1950.

 

 

 



[1] : تم عرض هذه المسرحية لأول مرة سنة 423 ق-م في مسرح ديونيسوس. أي بعد مولد أفلاطون بأربع سنوات (ولد نحو سنة 427 ق-م)

[2]  : Xenophon, Memorabilia and Apology, (Socratic Discourses), Everymans Library. London, 1950.

[3] : يقول أحمد عثمان في المقدمة الأدبية التي صدر بها ترجمته لمسرحية السحب للشاعر الكوميدي أريستوفانيس: "عرضت مسرحية الشاعر الثانية <البابليون> عام 426 ق-م، وفيها يهاجم أريستوفانيس الزعيم السياسي كليون. ولقد عرضت هذه المسرحية في أعياد ديونيسوس الكبرى التي تحضرها وفود تمثل جميع الدويلات حليفات أثينا...وأقدم مسرحية وصلت إلينا كاملة هي <الأرخانيون> التي عرضت عام 425 ق-م في أعياد الليانا". أنظر أريستوفانيس، مسرحية السحب، ترجمة أحمد عثمان، سلسلة من المسرح العالمي، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العددان الثامن عشر والتاسع عشر، سنة 2011، المقدمة الأدبية للمترجم، ص 91.

[4] : في نهاية المسرحية الضفادع نقرأ إنشاد الكورس (الجوقة) التي تحتفل بانتصار الشاعر التراجيدي أيسخيلوس، الذي تقررت عودته من هاديس إلى عالم الحياة، حيث تقول الجوقة: "مبارك الرجل الذي له ذكاء خارق مارق. ذلك معروف للكثيرين. الرجل صاحب الفكر الرصين سوف يعود إلى وطنه مصحوبا بالنفع لمواطنيه، مصحوبا بالنفع لأقاربه، ومصلحة محبيه لأنه ذو ذكاء خارق، الشيء الجميل هو أنه لا يجلس متحدثا بجوار سقراط." أنظر أرستوفانيس، مسرحية الضفادع، ترجمة وتقديم عبد المعطي شعراوي، سلسلة من المسرح العالمي، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 358، مارس 2012، ص ص 179-180.

[5] : يمكن العودة إلى المقدمة التي صدر بها عبد اللطيف أحمد علي الترجمة العربية لمسرحية السحب، المصدر السابق، ص3.

[6] : نقرأ في المسرحية: "ستربسياديس: لا أعرفهم أسماءهم على وجه التحديد، ولكنهم على أي حال مفكرون لا يتركون أتفه الأمور إلا ويقلبونها على كل الوجوه...إنهم حقا نبلاء الخلق...وطيبون أماثل.

فيديبيديس: (متذكرا في اشمئزاز) أه...عرفتهم...نعم عرفتهم، إنك بلا شك تعنيهم! التافهين المشردين صفر الوجوه، حفاة الأقدام...ومنهم سقراط التعس وخايريفون" أنظر مسرحية السحب، مصدر سبق ذكره، ص 202.

[7] : الظاهر هنا أن الترجمة انحرفت عن معناها الصحيح، والمراد هو البرغوث وليس النملة، وهذا ما نقرأه في الترجمة الإنجليزية لهذا المقطع:

"Just a minute ago Sokrates was questioning Chairephon about the number of fleafeet a flea cloud broad jump. You see, a flea happened to bite Chairephon on the eyebrow and then vaulted across and landed on Sokrates head". Aristophanes, The Clouds, Translated by William Arrowsmith, New American Library, New York, 1962, p 26-27

 

[8] : مسرحية السحب، مصدر سبق ذكره، ص ص 205-206

[9] : المصدر السابق، ص 212

[10] : السحب، مصدر سبق ذكره، ص 225- 226

[11] : مسرحية السحب، مصدر سبق ذكره، ص 263.

[12] : نجد في محاورة الدفاع جردا لأسماء التلاميذ الذين كانوا يستمعون إلى الحوارات السقراطية، والذين يذكرهم سقراط في معرض تكذيبه للادعاء الموجه إليه (تهمة إفساد الشباب)، حيث نجده يعدد هؤلاء التلاميذ، ويذكر من بينهم أفلاطون، إذ يقول: "...وعلى أيه حال، فإن كثيرين منهم (هؤلاء التلاميذ) حاضرون هنا، وإني أرى منهم أولا اقريطون، وهو من عمري ومن نفس الحي مثلي...وهذا أديمانتس ابن أرستون، وأخوه أفلاطون هذا الذي أمامكم" . أفلاطون، محاورة الدفاع، ترجمة عزت قرني، ضمن محاكمة سقراط، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر-القاهرة، ط 2، سنة 2001، ص 127

[13] : يكفي أن نستحضر مآسي سقراط، التي عاش جزءا منها في كنف النظام الديمقراطي، عندما عارض حكما صدر في حق القواد العشرة الذين أخلوا بالتزاماتهم العسكرية اتجاه الجنود القتلى، معارضا حكم الإعدام الصادر في حقهم، وكان إذاك عضوا في المجلس التنفيذي. ثم مأساته الثانية في ظل النظام الأوليجارشي الذي تزعمه الطغاة الثلاثون، حيث أصدروا في حقه حكما بالإعدام إلى جانب أربعة آخرين، إلا أن هذا النظام سقط ولم يوفق في مآربه الطغيانية. وقدر لسقراط العيش، زمنا آخر، إلى أن واجه عقوبة الإعدام على يد النظام الديمقراطي ، من جديد.

[14] : نقرأ في محاورة أوطيفرون الحوار التالي: " أوطيفرون: ماذا جد من جديد يا سقراط حتى تترك مجالسك في اللوقيون، وتأتي إلى هنا تقضي وقتك بجوار  رواق الملك؟ فلا يمكن من غير شك أن تكون لك قضية أمام *الحاكم-الملك* ؟

 

سقراط : ليس الأمر ما يسميه الأثينيون *قضية* على الدقة يا أوطيفرون، بل هو أمر ما يسمونه *بالادعاء العام". أنظر أفلاطون، محاورة أوطيفرون، ضمن محاكمة سقراط، ترجمة عزت قرني، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر-القاهرة، ط 2، سنة 2001، ص 35.

[15] : المصدر السابق، ص 37

[16] : المصدر السابق، ص 39

[17] : أفلاطون، محاورة اقريطون، ترجمة عزت قرني، منشورة ضمن محاكمة سقراط، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر-القاهرة، ط 2، سنة 2001، ص 156.

[18] : أفلاطون، محاورة ثياتيتوس، ترجمة وتقديم أميرة حلمي مطر، دار غريب، مصر القاهرة، سنة 2000، ص 29

[19] : محاورة اقريطون، مصدر سبق ذكره، ص 43

[20] : محاورة الدفاع، مصدر سبق ذكره، ص 132

[21] : المصدر السابق، ص 121

[22] : محاورة أوطيفرون، مصدر سبق ذكره، ص 35

[23] : الدفاع، مصدر سبق ذكره، ص ص 124-125

[24] : محاورة الدفاع، مصدر سبق ذكره، ص 123

[25] : Platon, Le Banquet, Traduit du grec par Léon Robin et M.J. Moreau, Édit Gallimard, paris, 1950. P 149.

 

[26]: محاورة الدفاع، مصدر سبق ذكره، ص 112.

[27] : نقرأ في مسرحية الضفادع قولا يلخص تصور يوربيديس، إذ يقول متحدثا عن تلاميذه: "لقد علمت هؤلاء كيف يفكرون في هذه الأشياء، ويستخدمون المنطق والفكر في تراجدياتي، ويناقشون كل شيء ويتدبرون كل الأمور ويباشرون المنزلية والشؤون الأخرى بأسلوب أفضل، ويتساءلون كيف يحدث هذا". أرستوفانيس، مسرحية الضفادع، مصدر سبق ذكره، ص 148.

[28] أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، سنة 2003، ص 377 ت د 607

[29] : محاورة الدفاع، مصدر سبق ذكره، ص 104.